إن ما يدعو إلى الدهشة والألم معا هو كيف قامت هذه العصابة الحاكمة في صنعاء التعامل مع قضية شيخ الصحافة في الجنوب العربي سعادة الشيخ هشام باشراحيل ، إن هذه الصحيفة التاريخية رمز من رموز عدن ليس من السهل التهاون في قضيتها ، كانت القضية بسيطة و لاتحتاج إلى هذا التعقيد والتصعيد العسكري ، هشام باشراحيل يملك قلم للكتابة وينشر مقالات الرأي العام ، و"الأيام" لها إهتمام عالمي بنشر الأخبار ، إنها مدرسة الكلمة الحرة في الجزيرة العربية ، هشام شخصية صحفية عالمية وصل إلي ذلك بعد تجارب العمر عبر هذه المؤسسة الصحافية الحضارية . بيت باشراحيل ليس بقلعة عسكرية تستوجب هذا الهجوم الوحشي المسلح بالإسلحة الثقيلة في منطقة سكينة فيها الأطفال والنساء ، لم يكن هناك أي داعي لمثل الهجوم العسكري التي وقف المجتمع ينظر إليه بكل إزدارء ، إنه فشل السلطة التي فقدت إحترام الناس والمجتمع الدولي ، كان يمكن إرسال وفد من وجهاء القوم والشيوخ والمصلحين لتفاهم حول أي موضوع يخص دولة صنعاء ، كان الأمر يمكن أن يحل بحضارة وتفاهم وليس بغزو عسكري ، ولكنها أوهام النصر والقوة والتبجح ضد كل جنوبي عربي .. هذا العناد والتبجح البدائي في صنعاء .. لا يفرق بين القلعة والقلم .
أعتاد العرب طوال تاريخ حياتهم على التفاهم بالحسنى وإرسال الوفود للتفاهم حول القضايا المختلف بشأنها ، وكانت هناك شخصيات عربية تاريخية معروفة بالحكمة والعقل والوقار ترسل إلى المفاوضات بين القبائل العربية عند النزاع القبلي حيث يُحكم العقل والمنطق والأعراف العربية النبيلة في حل المشاكل والإختلاف بين الناس ، إن من أخلاق العرب التفاوض في كل الأمور ولم يكن القتال الحل الوحيد لديهم ، كانت الكلمة الطبية لها معنى كبير في تاريخ العرب وأخلاقهم ، العرب في الجاهلية لم يكن لهم دين سماوي يردعهم ، ولكن كانت لديهم أخلاق وأعراف قبلية تنظم سير الحياة وقد أشارت إلى الموضوع الهام بكل فخر وإعتزاز المستشرقة البريطانية العظيمة كارين أرمسترونج التي ذكرت إن العرب قديما لم يكن لهم دين سماوي ، ولكن كانت " المروءة " هي دين العرب .
نقول لهم في صنعاء .. تعريف المروءة هي : (( صدق في اللسان واحتمال للعثرات وبذل للمعروف وكف للأذى وصيانة للنفس وطلاقة للوجه، المروءة من خصال الرجولة فمن كانت رجولته كاملة كانت مروءته حاضرة ، المروءة من أخلاق العرب التي يقيسون بها الرجال ويزنون بها العقول حقا . هي كلمة لها مدلولها الكبير الواسع فهي تدخل في الاخلاق والعادات والاحكام والعبادات . المروءة مع الناس هي : باءيفائهم حقوقهم على أختلاف منازلهم والسعي في قضائها ، والبشاشة وطلاقة اللسان وسعة الصدر وسلامة القلب تجاههم وقبول النصيحة منهم والصفح عن عثراتهم وستر عيوبهم واحتمال أخطائهم وأن يحب لهم مايحب لنفسه ويكره لهم مايكره لنفسه . نقول لهم في صنعاء هل هذا الهجوم على دار "الأيام" .. هل هذا من المروءة ؟؟
نقول لهم .. سوف نسرد عليكم هذه القصة التاريخية التي حدث في مصر عام 1952 في أول أيام الثورة أختلف خالد محي الدين مع زملائه في قيادة الثورة ، وتمرد في معسكر سلاح الفرسان المعروف بسلاح المدرعات في العباسية ، كان الوضع في غاية الخطورة وخالد معروف بشجاعته ويملك سلاح المدرعات تحت قيادته ، أجتمع جمال بمجلس قيادة الثورة وقرر عبدا لحكيم عامر إستعمال سلاح الطيران في قصف تمرد سلاح المدرعات ، وقد أعد لتلك الضربة الجوية قائد الأسراب عبداللطيف البغدادي ، وخيم على مجلس قيادة الثورة وجوم وحزن عميق . قال جمال عبدالناصر :" أنا لا أوافق على هذا العمل مطلقآ ، إن منطقة العباسية منطقة سكنية و لا أريد الشعب المصري أ ن يرى جيش الثورة يتقاتل في الشوارع ويستعمل سلاح الطيران الذي ستصيب قذائفه سكان العباسية ، أن جيش مصر قام بالثورة لأجل الشعب المصري وليس قتل أي مصري ، سأذهب لوحدي إلى معسكر العباسية لأتفاوض مع خالد محي الدين. قال له زملاءه يا جمال سوف يقتلوك أو سيعتقلونك ، قال لهم : فليكن ذلك لا أريد سفك دم أي مصري - عسكري أو مدني ، إن هذه الثورة من أجل مصر .
ذهب جمال عبدالناصر إلى معسكر العباسية وهو لا يحمل سلاح ودخل المعسكر وأجتمع بخالد محي الدين ألذي أستقبله بكل .حفاوة ، اجتمعوا في غرفة مغلقة ولم يعرف أحد ما دار بينهم حتي يومنا هذا ، وأنهى خالد محي الدين التمرد وخرج معززآ مكرمآ إلي بيته ، وبعد أيام أعلن في وسائل الإعلام إن مجلس قيادة الثورة قد كرم البطل خالد محي الدين وتم تعينه سفيرآ في سويسرا . وفي التالي غادر مصر وودعوا خالد محي الدين وداعآ عسكريآ رسميا ، وكان على رأس المودعين الزعيم جمال عبدالناصر و سار معه إلى سلم الطائرة وتعانقا. قال له جمال " يا خالد إن مصر تسلم عليك .. وداعآ خالد ". نقول لهم .. هذه هي مسؤولية الحكم و التفاوض والمروءة وليس سفك الدماء . إن العلم والمعرفة أقوى بكثير من أي قوة أخرى .
نقول لهم في صنعاء .. أن عليهم تصحيح طريقة الحكم ، إن التبجح والعناد ليست من صفة الحاكم أو الدول الحضارية ، إن إستعمال القوة العسكرية في الهجوم على بيوت الناس هي جريمة وسابقة خطيرة في مجمعتنا ، إن الجيش والسلاح ليس ضد الناس بل لحماية الشعب ، إن البيوت والشوارع الآمنة ليست مسرح للعمليات العسكرية ، إن حقوق الصحافة وحرية الناس أصبحت من ضروريات المجتمع الحضاري ، اليوم العالم ينظر إلى ما يجري في بلادنا ، عصر الإرهاب والتخويف بالسجون والمعتقلات .. هذا عصر أنتهى من الشرق الأوسط . نقول لهم .. يجب عليهم إطلاق الصحفي السيد هشام باشراحيل ونجله ودفع كافة التعويضات على كل الإضرار منها المادي والمعنوي الذي أصابهم منذ الحصار وتعويض كل جيران منزل باشراحيل تعويضا ماديا ومعنويآ والإعتذار الرسمي لأهل باشراحيل وأهل عدن ..عاصمة الجنوب العربي .
يا صالح .. هذه هي المروءة وأسس الحكم . يا صالح .. هناك فرق كبير بين القلعة والقلم .