الهيئة الوطنية
للكاتب : خالد سلمان
ظلت النخب السياسية في اليمن تتعاطى مع السلطة الحاكمة بقدر كبير من الإستخفاف , والإنتقاص من آهليتها للحكم , او بعبارة ادق الإستمرار فيه .
ففيما نحن نذهب بعيداً في توصيف السلطه ووصمها بالجهل والتخلف وعدم الصلاحية وحتمية السقوط , بمضي الحكم بتدعيم نفسه بكل مسببات البقاء و الإستمرار , موظفاً المتغييرات للعب لصالحه, مستثمراً في مجال إعادة انتاج ادوات البقاء في سدة الحكم كل هذه السنوات , صامداً في وجه التحديات الداخليه و الخارجية.
لسنا هنا بحاجة للتنظير لإثبات ان السلطه حتى وان كانت موغلة بتخلفها , فإن إستمرارها هو بحد ذاته يثير إشكاليه على قدر كبير من الخطورة .. ان السؤال هو في البحث و المقاربة في موضوعه هذا الصمود لكيان سلطوي بائس وفاسد وعقيم .
علينا ان لا نطلق لرغباتنا الدفينة العنان , وان نعترف اننا امام سلطه استطاعت ان تحشد بين يديها كل ما شأنه ان يمنحها عمراً إضافياً , ليس مهماً لديها مشروعية الأسباب , وإخلاقية الوسائل , وطهر وعفة الطرائق.
وإذا كانت السلطة قد استثمرت في حقل الصراع بين معسكري الحرب الباردة ماضياً , وإذا كانت قد اعتمدت على تغذية الخلافات وتفجير الأزمات , وإشعال فتائل الإحتراب الأهلي الداخلي باعتماد سياسة " فرق تسد" لاحقاً , فانها اليوم تستثمر في مجال آخر لا تقف خطورة تداعياته عند حدود المربع الداخلي الوطني , بل وتتعداه إلى دوائر اوسع الأقليم و العالم , انه الإرهاب.
حتى وان بدت السلطة تثير زوابع الغبار حول الارهاب , وتقدم نفسها كضحية له , فإن كل الوقائع والدلائل والمؤشرات تدحض هذا الزعيق الإعلامي , وتجزم بأن الإرهاب هو منتج رسمي حكومي رئاسي بامتياز, وان ذروة التضليل ان تُضخ المليارات لمكافحة وإجتثات جذور القاعدة , لذات الحاضنة التي تنشأ في كنفها , ورضع من ثدييها , وتقوت عضلاته وانيابه جراء حالة الرعاية التي حضي بها , والتداخل بين مكوني الإرهاب , واجهزة سلطه القمع و الإستبداد في اليمن .
فليس هناك مايثبت ان القاعدة نبت ولِد خارج فضاء الحكم الرسمي , في حين هناك من الشواهد مايقطع جازماً ان القاعدة والحكم , وجهان لفعل جرمي واحد , وان علاقة الزواج المنفعي بينهما , لم تتقاطع يوماً كانت مساحة اللعب المسموح بها لا تتخطى حدود الداخل اليمني .. ان ترسيم حدود العلاقة بين هذين المكونين تستقيم على ضلعي الإستفاده المتبادله بينهما , فالسلطه تستخدم القاعدة لإرهاب الخصوم السياسيين , وتحيلها إلى كاتم صوت لإغتيال المعارضين , حين تتخطى المعارضه حدود المسموح به , اي معارضة السقف المنخفض , في حين تتقتض القاعدة فواتير هذه الخدمات , حرية حركة , وحضور علني , وارضية ملاذ آمن لعناصرها الملاحقة في الخليج و المحيط العربي , خاصة وأن هذه الدول قد استشعرت مبكراً خطورة العائدين من افغانستان فاوصدت في وجههم اللأبواب , باستثناء سلطة اليمن , التي جعلت من هذا التدفق إحتياطياً قمعياً لها .. ستأتي لحظة إستغلاله لاحقاً , وهو ماحدث تماماً في الأزمة السياسية التي اعقبت وحدة عام 90 م وسلسلة اللإغتيالات لخصومها .. ومن ثم شن الحرب على الجنوب وقبل ذلك حروب المناطق الوسطى وحروب الشطرين.
اليمن بسلطتها الفاسدة هي ارضية ولوده , مفرخة غزيرة الإنتاج للإرهاب , هي من احتضن القاعدة , وهي من رعت مدارسها المختلفه مادياً ومعنوياً, وهي من اعتمد الإسلوب الإنتحاري في اتباع سياسة الإضعاف المتبادل لمكونات هذه المدارس العنفيه , وتفجير صاعق حروب المذاهب , السلفية المتشددة ضد الزيديه الحوثيه حيناً , و الشباب المؤمن , ضد الإصلاح , وكل قوى التشدد في مواجهة الإشتراكي , وسلطة الشمال ضد الجزء المبتلع في الجنوب .. وهكذا تكر السبحة دواليك منافع مشتركه وإختراقات متبادلة بين خلايا الإرهاب واجهزة السلطة.
الان الوضع مختلف , بعد ان تخطت القاعدة , قواعد الإتفاق مع السلطه , ومددت مجالات عملها باتجاه المصالح الغربية في اليمن و الإقليميه في الخليج والدولية في قلب القوة الأعظم.
نعم في هذه اللحظة الفاصلة حدثت حالة التقاطع بين الأثنين : الحاضنه السلطه , و إرهاب القاعده , ومع هذا التقاطع فإن دهاء الحكم الذي نجح في إختراق القاعدة على اكثر من مستوى , مازال يوظف هذا الإختراق لإنجاز مشروع عملية خلط للأوراق وأستجداء للتعاطف الدولي .. اذا يسوق الحكم موضوعة القاعدة والحراك الجنوبي في لائحة إعلانية واحدة , يضعهما في سلة واحدة , و يوجه ضرباته المزعومه لقيادات القاعدة , حين تكون هده القيادات متواجدة في رقعة جنوبية لإرسال رسائل محددة تضخم من مخاطر مطالب الحراك لجهة تحويله إلى ملاذ آمن .. ونقطة إنطلاق للإرهاب عبار القارات .. كما تزعم وتروج السلطه .
كل هذا الخلط لايلغي حقيقه واحدة .. ان الإرهاب منتج رئاسي .. وان الخلاص منه يبدأ وينتهي بتجفيف حواضنه .. وليس هناك من حاضنة للإرهاب أخطر من حاضنة سلطة القصر الجمهوري .. فقط وعلى خلفية هذه الحقيقة تتحدد معايير نجاح او فشل مؤتمر لندن .
نشر بتاريخ 26-01-2010 |